عماد الدين خليل

110

دراسة في السيرة

حبالا وإنا قاطعوها ، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ، ثم أظهرك اللّه ، أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ فتبسم الرسول صلى اللّه عليه وسلم وقال : بل الدم الدم والهدم الهدم « 1 » ، أنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم « 2 » . وقبل أن يرجعوا اختار الرسول صلى اللّه عليه وسلم من بينهم اثني عشر نقيبا ، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس « 3 » ، ليشرفوا بأنفسهم على سير الدعوة في يثرب ، حيث استقام عود الإسلام هناك وكثر مثقفوه ، وحيث أراد الرسول - بفقهه العميق لأساليب الدعوة - أن يشعرهم أنهم لم يعودوا غرباء لكي يبعث إليهم أحدا من غيرهم ، وأنهم غدوا أهل الإسلام وحماته وأنصاره ، ثم قال لهم : ارفضّوا إلى رحالكم ، فقال له أحدهم ، وقد شعروا أن نبأهم بدأ يتسرب إلى قريش : واللّه الذي بعثك بالحق ، إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا ! ! فأجابه رسول اللّه : لم نؤمر بذلك ، ولكن ارجعوا إلى رحالكم « 4 » . خطوات محكمة ، واستخدام حصيف للإمكانات ، وفقه عميق لخطوات الحركة . . يرافق هذا كله هدي السماء الذي لم يفارق خطى الرسول لحظة ، والذي ساق إليه - بما أوجده من ظروف صعبة في يثرب - هذه الوفود التي جاءت تحمل إليه ما كان يرجوه ويعمل على تحقيقه جاهدا . « رجعنا إلى مضاجعنا - يقول أحد المبايعين - فنمنا عليها حتى أصبحنا ، فلما أصبحنا غدت علينا جلّة قريش فقالوا : يا معشر الخزرج ، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا ، وتبايعونه على حربنا ، وإنه واللّه ما من حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم ، منكم ! فانبعث من هناك ، من مشركي قومنا ، يحلفون باللّه ما كان من هذا شيء وما علمناه ! - وبعضنا ينظر إلى بعض - وقد صدقوا ، لم يعلموه ! » . « ونفر الناس من منى . . وتأكدوا صحة الخبر ، فخرجوا في طلب القوم فلم يدركوا ، وكانوا قد رحلوا ، سوى اثنين : سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو -

--> ( 1 ) أي القبر والمنزل ( عن تهذيب سيرة ابن هشام ) . ( 2 ) ابن هشام 112 - 113 الطبري : تاريخ 2 / 363 . ( 3 ) انظر البلاذري : أنساب 1 / 252 - 253 ، وعن لقاآت العقبة انظر بالتفصيل ابن هشام ص 107 - 129 وبوهل في Ency . art : Muhammad . ( 4 ) ابن هشام ص 113 - 114 الطبري : تاريخ 2 / 364 - 365 ابن سعد 1 / 1 / 150 .